صبحي الصالح

38

مباحث في علوم القرآن

قرآنا رغم تلهف رسوله الكريم إلا بعد قرابة عام ونصف العام « 1 » ، فلما ذا لم يسعف النبي نفسه بوحي عاجل يحقق ما يصبو إليه ويتمناه ؟ إنه الوحي ينزل على محمد حين يشاء رب محمد ، ويفتر إذا شاء له رب محمد الانقطاع ، فما تنفع التعاويذ والأسجاع ، ولا تقدم عواطف محمد ولا تؤخر في أمر السماء ! أما وإنه لم يك لهذه المفارقة الواضحة بين شخصية النبي وظاهرة الوحي إلا حل « نفساني » واحد على طريقة الماديين من قدامي ومحدثين : فليفترضوا تزوّد النبي الأمين بشخصيتين إحداهما واعية شاعرة ، والأخرى لا واعية ولا شاعرة ؛ أو بعبارة أخرى : ليفترضوا في نفس محمد ازدواج الشعور و « اللا شعور » ! فهل لباحث منصف أن يعترف لأصحاب هذا الافتراض بمسكة من عقل أو ذرة من شعور ؟ ولقد تحيّر العرب من قبل في الربط بين الذات الملقية والذات المتلقية ، فتخبّطوا تخبّط شهود الزور ، وتبلبلت أذهانهم ، وتضاربت آراؤهم ، ولم يطمئنوا إلى تفسير يرضي عقولهم السقيمة ، وصور اللّه حيرتهم هذه الصورة المضحكة الساخرة : « بل قالوا أضغاث أحلام ، بل افتراه ، بل هو شاعر « 2 » » فردّوا مصدر القرآن إلى رؤى النائم أو شطحات المجنون ، وإلى افتراءات المختلق أو تخرصات الكذوب ، وإلى أخيلة الشاعر أو سبحات الأديب . وفي توالي حرف الإضراب ( بل ) ثلاث مرات تهكم لاذع باضطرابهم وتضاربهم ، ألا ساء ما يحكمون . فأما رؤى النائم فتردها بداهة مشاعر النبي المرهفة الواعية ، وشخصيّته اليقظة الساهرة حتى في ساعات الراحة والرقاد . ولقد رافق هذا الوعي رسول اللّه منذ اللحظة الأولى التي خاطبه اللّه فيها بقوله « اقرأ » حتى نزلت الآية

--> ( 1 ) وحينئذ نزلت الآية الكريمة : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » . وقارن بأسباب النزول للسيوطي 12 - 13 . ( 2 ) الأنبياء 21 . وقارن بالنبإ العظيم 69 .